عبد القاهر بن طاهر البغدادي
120
الملل والنحل
والفضيحة الثالثة له قوله باعراض لا نهاية لها في كل نوع منها ، وذلك أنه قال إن المتحرك متحرك بحركة حلت فيه ، وتلك الحركة اختصت بمحلها لمعنى سواها في محلها ، وذلك المعنى أيضا حال فيه لمعنى سواه لا إلى نهاية . وكذلك / قوله في اختصاص اللون والطعم وكل عرض بمحله . ونتيجة هذه البدعة موجبة ان الانسان القادر على فعل عرض ما يكون أقدر من ربه ، لان ربه انما قدر على فعل الأجسام ، وهي محصورة العدد ، والقادر من « 1 » يفعل في حالة واحدة لا نهاية له من أنواع الاعراض ، والقادر على ما لا نهاية له في وقته أقدر ممن لا يقدر الا على افعال محصورة في الوقت « 2 » . والفضيحة الرابعة له في قوله في الانسان انه شيء غير هذا الجسد « 3 » ، وهو حي قادر عالم مختار وليس هو متحركا ولا ساكنا ، ولا متلونا ، ولا يرى ، ولا يلمس ، ولا يحل موضعا ، ولا يحويه مكان . فإذا قيل له : هل هو في الأرض أو في السماء ، أو في الجنة أو في النار ؟ قال إنه في الجسد مرئي ، وفي الجنة منعم ، وفي النار معذب ، وليس هو في شيء من هذه / المواضع حالا ولا متمكنا ، لأنه ليس بطويل ولا عريض ، ولا ذي وزن . وكأنه أراد ان يصف الانسان بصفة الاله ، لان الانسان حي قادر عالم مختار حكيم ، وكذلك اللّه تعالى . والانسان عنده ليس بطويل ولا عريض ، ولا ذي وزن ولون وتأليف وحركة ، وليس بحال في مكان ، ولا متمكن فيه ، وكذلك اللّه تعالى . وكما يقال إن الاله مدبر للعالم وليس هو حالا فيه ولا متمكنا ، كذلك الانسان عنده مدبر للجسد وليس بحال فيه ولا متمكن ، فوصف الانسان بصفة اللّه تعالى . - ثم إنه وصف الحمار
--> ( 1 ) جاء في المخطوط « ما » . ( 2 ) في الفضيحة الثالثة هنا لم يأت ذكر لما حكاه الكعبي « في مقالاته » عن معمر بأن الحركة انما خالفت السكون لمعنى سواها . . . » وهو وارد في كتاب « الفرق » ( انظر الفرق ط . بدر ص 138 ، الكوثري ص 92 - 93 ، عبد الحميد ص 153 ) ولكن جاء في آخر الكلام هنا تنويه إلى ما حكاه الكعبي في مقالاته عن معمر بان الاعراض كلها فعل الجسم بطبعه الا الإرادة فإنها فعل الانسان » . والكلام هنا أوضح مما جاء في « الفرق » بهذا الصدد . ( 3 ) المقصود « بالانسان » هنا النفس . وما يذكره معمر هنا يصبح واضحا إذا ما طبّق على النفس .